مقالات

برلمانية لا تشريعية .. كتب غازي مرتجى

Paltel

(1) عاد التفاؤل لإمكانية بناء لبِنة جديدة في جدار الدولة الفلسطينية بإعلان الرئيس الفلسطيني عزمه الدعوة لإنتخابات عامة بعد عودته من رحلة الخريف في الأمم المتحدة .

جُبِل التفاؤل بتخوفات منع إسرائيل لإجرائها في القدس من جهة واعتراض حماس على إجرائها في غزة في حال كانت انتخابات تشريعية فحسب .

إجراء الإنتخابات هو مطلب جماهيري بعد فشل كل محاولات التصالح والوحدة بين شطري وطن دمرته آلة العدوان، رغم قناعتي والكثيرين بأنَّ أيَّ انتخابات لن تقدِّم حلولًا سحرية لخطوات الانفصال التي بدأت منذ انقلاب 2007 ولن تتوقف عند بناء مستشفى ميداني أمريكي شمال القطاع .

في الخامس والعشرين من فاتح العام الجديد يكون الفلسطيني على موعد مع السنة الرابعة عشر والخامسة عشر على التوالي دون انتخابات تشريعية ورئاسية، وهو الموعد المتوقَّع لإعلان الرئيس إجراء الانتخابات التشريعية، وبعد انتخاب المجلس التشريعي يمكن إعلان موعد للانتخابات الرئاسية .

الوضع العام للدولة الفلسطينية معقَّد، والإعلان عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة لن يكون حلًا مجديًا في ظل تصارع قوى وانفلات متوقع، الرئيس هو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي الغطاء الأكبر للسلطة الفلسطينية التي من المفترض أن يتم حلّها بقرار إجراء انتخابات (برلمان دولة فلسطين) وليس مجلس تشريعي لسلطة انتقالية ورئيس اللجنة التنفيذية هو القائم مقام الرئيس (على افتراض أنَّ ولايته القانونية المحددة انتهت) .

هنا أقترح أن يصدر قرار إجراء الانتخابات البرلمانية بتوقيع رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وعند الانتهاء منها يتم تحديد موعد لإجراء انتخابات لرئاسة دولة فلسطين وليس رئاسة سلطة انتقالية .

إنَّ الاشتراط بإجراء انتخابات متزامنة هو هروب للأمام ليس إلا، ومن لديه القناعة بالديمقراطية ورأي المواطن يوافق على إجراء انتخابات بدءًا من عمارة سكنية وصولًا لبرلمانية رئاسية ومجلس وطني، ومن المنطقي بعد انقطاع الديمقراطية لفترة طويلة لدرجة عدم معرفة أجيال كاملة معنى الانتخاب والترشح أن تبدأ تجديد الشرعيات بالتدريج .

قرار الرئيس بعد أن يصدر سيكون عقبة جديدة في وجه مخططات إسرائيلية أمريكية تهدف للانفصال التام بين القطاع والقدس والضفة، إضافة إلى (الكي) المطلوب لوقف النزيف الذي تسبَّبت به عصبة الأحزاب والتي كان أحد نتائجها انقسام طال أمده .

إجراء الانتخابات البرلمانية وفق قرار الأمم المتحدة 2012 والذي باتت فيه فلسطين دولة مراقب يعني حشر العالم لمتابعة قراراته وتنفيذها على الأرض ، يجب أن يسبق ذلك إعلان الدستور الفلسطيني الذي شُكلت له عدة لجان لم تجتمع كثيرًا على أن يتضمن الدستور حدود دولة فلسطين وكل التفاصيل القانونية اللازمة لضمان عدم تعطل مفاصل الحكم .

الحديث عن الانتخابات يفتح قريحة الديمقراطية التي يجب أن تعم، فبعض النقابات لم تجر بها انتخابات حرة منذ فترة وبعضها مُكلف من كبيرها لمن دونه، وكذا بعض الجامعات في القطاع والضفة. ومن المفترض أن يفتح إعلان الرئيس القادم الباب أمام إجراء انتخابات في كل الجهات بدءًا من التنظيمية الداخلية مرورًا بانتخابات اللجان التخصصية وصولًا لانتخابات برلمانية رئاسية بهامش خطأ اختيار لا يُذكر مقارنة بالانقطاع الطويل الذي سيتسبب بخطأ اختيار عالٍ .

(2) ثلث الشعب الفلسطيني في القدس والضفة وغزة من الفئة العمرية الشابة (15 – 29) وهذه الفئة العمرية لم تكتشف معنى الديمقراطية إلا في مجالات ضيقة، موسمية وصغيرة. الفئة الشبابية المذكورة مضاف إليها من يبلغ عمره أقل من 40 عامًا هي عماد أي مجتمع وهي العصَب الذي يشير إلى نوعية المجتمع والذي تصنف فلسطين فيه كمجتمع شاب، هذا المجتمع الشاب يحتاج من يفهمه ويعرف خصائص التويتر والواتس أب واستخدامات فيسبوك.

أطلق مجموعة من الشباب وسم “بدنا انتخابات” مؤخَّرًا وامتزج الوسم بتعليقات فكاهية وساخرة من جهة ومطالبات جديّة تنم عن وعي شبابي مرتفع في ذات الجهة. هذه المطالبات لم تأتِ سوى بعد ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي الجامع من جهة والمشاهدات المختلفة والمستمرة في المحيط وليس بآخرها الانتخابات الإسرائيلية والتونسية من جهة أخرى. لقد انتخبت دولة الاحتلال مرتين واحتكم الجميع لصندوق الاقتراع لاختيار قيادة قادرة من وجهة نظر المجتمع اليميني المتطرِّف على التوسع والاحتلال . وأراد الشباب إيصال رسالة لكل الأطراف بأن المجتمع الشاب يريد اختيار ممثليه بدقّة بعيدًا عن سيطرة الحزب والقوة على مفاصل دولة حديثة ! الانتخابات التي تأتي بعد انقطاع طويل تحتمل الكثير من الخلل والاختيار غير الدقيق والناجم عن تصفية حسابات بين المجتمع والحاكم، وهو ما حصل في انتخابات التشريعي 2006 .

هنا من المفترض أن نجد تدخلًا توعويًّا من الجهات ذات العلاقة وبشكل خاص لجنة الانتخابات المركزية والتكتلات الشبابية التي نشأت في ظل طفرة وسائل التواصل الاجتماعي . العمل المتواصل للتكتلات الشبابية والتنظيم الداخلي لتلك التجمعات يعني الوصول نحو نتائج مُحكمة وممثلة للشريحة الأعلى وفق التعداد السكاني الأخير .

ويعني كذلك التحوّل نحو الحداثة والتكنولوجيا التي باتت بعض الدول الناجحة محكومة لنظامها بعيدًا عن الحزبية المفرطة أو العشائرية المُحبطة. وتجربة الشعب التونسي الأخيرة والتي أفرزت مرشحًا غير مدعوم من الأحزاب أو مراكز القوى حاضرة أمامنا وبالإمكان تكرارها في فلسطين بحيث يساعد هذا التنوع للتكتلات داخل أي برلمان إلى تصحيح أي استقطاب متوقع وأي تفرد بالقرار .

إغلاق