Paltel
مقالات

المرأة ذلك الجندي المجهول.. صالحة علام

فالعالم لايزال يحتفل في يوم 8 مارس بيوم المرأة، مثلما يحتفل بيوم الارض، التي عاث فيها فسادا، وأهلكها بالتجارب النووية والذرية

  
في الثامن من شهر مارس/آذار في كل عام يحتفل العالم بالمرأة، ويتم خلال ذلك الاحتفال تكريم عدد من النساء في مختلف القطاعات، وتولِيَّ وسائل الإعلام للمرأة اهتماما بالغا في هذا اليوم، كما يحتفي العالم بنفسه، لأنه تفضل أخيرا وقرر الاعتراف بوجود كائن آخر على هذا الكوكب غير الرجل، يتولى الكثير من المهام والمسؤوليات، ويعاني الصعوبات والأهوال من أجل القيام بما عليه من واجبات، حتى وإن لم تكن من مسؤولياته.

المرأة ذلك الجندي المجهول
لقد ارتأى العالم أن يكون هناك يوم للاحتفاء بالمرأة، ذلك الجندي المجهول، يتم التحدث فيه عن إنجازاتها وماحقته من مكاسب، وما حصلت عليه من امتيازات، وما وصلت إليه من علم ومعرفة، والمناصب التي اصبحت تنبؤها، والمهام التي تُكلف بها في المجتمعات المختلفة، مع التأكيد على أنه لولا الديمقراطية والحرية التي تسود العالم اليوم ما كان يمكن للمرأة، ذلك الكائن الضعيف الهش، أن تصل إلى كل هذه الانجازات والنجاحات.

العالم اليوم يرى أننا نحن النساء حققنا طفرة هائلة، أتاحت لنا تحقيق تلك المكانة الرفيعة التي ننعم بها الآن، وذلك كله بفضل الرجل، الذي يملك زمام الامور، ويحدد الحقوق والواجبات.

وفي غمار يوميات هذا اليوم، تظهر العديد من النساء المثقفات اللاتي بلغن أعلى درجات العلم والمعرفة، وهن يؤيدن هذا الكلام، ويتفاعلن معه بكل حماس، مؤكدات على أهمية دور الرجل فيما أحرزته المرأة في المجتمع، ولولاه ما استطاعت أن تحقق شيئا يذكر.

العالم يكذب ولا يتجمل
لكن الحقيقة أن العالم كله يكذب علينا نحن النساء، يكذب بكل قسوة ووقاحة وهو ينظر بكل ثقة وثبات في أعيٌننا، ونحن للأسف الشديد نشاركه في كذبته تلك، بعلم أو من دون علم. العالم يرمي لنا الفتات وهو يؤكد أنها غنيمة علينا أن نسعد بها، ونتلقاها شاكرين، وأن نعترف بفضله علينا، وأن ندين له بالولاء. لكن الحقيقة تخالف تلك الصورة تماما، فالمرأة في العصر الحديث تٌعد متخلفة قياسا بمثيلتها في العصور القديمة، التي غالبا ما توصف بالهمجية في كتب التاريخ، وعند علماء الاجتماع.

ففي كتاب بعنوان” المرأة في الأناضول” للمؤلفة أمينة تشايقرا، يكشف أن المرأة في تلك الحقبة السحيقة من التاريخ الانساني كانت هي العنصر الأهم، الذي يشكل أغلب الاعمال الفنية منذ نهاية العصر الحجري القديم، فيما يشبه التقديس لها بصفتها صانعة الأجيال، مثلها في ذلك مثل الأرض التي تهتم برعاية الكائنات الحية الموجودة في الطبيعة، ومن هنا بالتحديد ظهرت عبادة الإلهة الأم، التي تعد أول مٌعتقد في تاريخ البشرية.

النساء ودورهن في العصر الحجري
وفي العصر الحجري الحديث تحولت حياة الإنسان من الكهوف إلى نظام الزراعة المروية، حيث لاحظت المرأة التي كان عليها جمع الثمار، قوة البذور لتكتشف الزراعة وتمارسها، وتضيف لمجتمع تلك الفترة مفاهيم الإنتاج والخصوبة، وتوثق المخطوطات التي تم العثور عليها أن النساء مارسن العديد من المهن وكن شريكات الرجال في الكثير من ميادين العمل.

أما في السياسة فكانت الملكات تتساوين مع الملوك، وكن مشاركات في الحكم فعليا وليس شكليا، حيث وجدت أختام الملكات إلى جوار أختام الملوك على العديد من المخطوطات والوثائق، بينما كان قانون الاسرة الذي ينظم مسألتي الزواج والطلاق، الذي عثر عليه في اللوحات المدفونة في مدينة قيصري، يمنح حقوقا متساوية للزوجين، وعند الطلاق يتم تقاسم الممتلكات المكتسبة خلال فترة الارتباط.

المرأة في مصر الفرعونية
أما في مصر الفرعونية، فكان للمرأة مكانة متميزة في المجتمع، وصلت إلى حد التقديس، إذ كانت المرأة ربة تٌعبد، وملكة تحكٌم، ومستشارة للملك، ووزيرة وقاضية، وكبيرة للكهنة وامرأة عاملة وصانعة ماهرة. كما كانت تتمتع بكافة الحقوق المدنية، وكان لها الحق في امتلاك الاراضي والعقارات، كما كانت تٌدلي بشهادتها في المحاكم، ولديها الحق في رفع الدعاوي القضائية ضد الاخرين بنفسها، وحظين بمساواة كاملة مع الرجل، ولاقين احتراما كاملا من قبل الجميع، حيث كان يٌنظر للشخص وفق ما يحققه من مساهمة في خدمة المجتمع، دون النظر إلى نوع جنسه ذكرا كان أم أنثى.

ولعل أبلغ دليل على مدى المكانة التي تمتعت بها النساء في مصر الفرعونية، “وادي الملكات” الموجود غرب مدينة الأقصر، والذي يٌعد دليلا حيا على مدى تقدير مصر القديمة للمرأة ومكانتها في المجتمع، حيث يضم مجموعة من المقابر رائعة الجمال، التي دٌفنت فيها الملكات والأميرات وزوجات الفراعنة، والذي تم تشييده على غرار وادي الملوك الذي يضم رٌفات حكام الفراعنة، على نفس الجبل وفي نفس المنطقة.

كان هذا وضع المرأة في العصور البدائية والمتخلفة، وهو الأمر الذي لم يختلف كثيرا عما كان عليه الحال بالنسبة للنساء مع بعثة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث كرم الاسلام المرأة المسلمة، ومنحها من الحقوق والامتيازات مالم تمنحه الأديان الأخرى لنسائها، بل وفضلها في كثير من الأحكام على الرجل.

المرأة أداة لتصفية الحسابات

أما المرأة في عصرنا الحديث، عصر الحرية والديمقراطية، فقد أصبحت تعاني الأمرين، حيث فرض عليها المجتمع الكثير من المسؤوليات وأثقل كاهلها بالمهام والواجبات، وضن عليها بما منحه الخالق عز وجل لها من مزايا وامتيازات.

المرأة في عصر العلم والتكنولوجيا لم تعد إلهة تٌعبد، ولا ملكة تحكم، ولم يعد العالم يعترف لها فعليا بمكانتها مهما حققت من تفوق، وبذلت من جهد، بل تحولت إلى الضحية الأولى في المواجهات العسكرية، وإلى أداة لتصفية الحسابات، ووسيلة لإخضاع المارقين الخارجين عن سطوة الحاكم المستبد، في مجال السياسة.

المرأة في عصرنا الحالي تٌسجن وتٌعتقل، تٌسب وتٌهان، تٌغتصب وتٌقتل، وفي أفضل الظروف وأحسن الاحوال تٌيتم كابنة حٌرمت من أبيها الذي قٌتل أو اعٌتقل، وتمضى بمفردها لتواجه معارك الحياة اليومية كزوجة حٌرمت من الزوج الذي أعٌدم، أو غيبته قضبان السجون والمعتقلات، أو تعيش ما بقي لها من عمر كأم هدها الحزن والقهر على فقدان الأبناء الذين إما اختفوا أو أُعدموا.

ومع ذلك، ورغم كل ذلك فالعالم لايزال يحتفل في يوم 8 من مارس/آذار بيوم المرأة، مثلما يحتفل بيوم الأرض، التي عاث فيها فسادا، وأهلكها بالتجارب النووية والذرية، وقضى فيها على الأخضر واليابس، ولوث مياهها وهواءها، وأفسد الحياة البرية بها، لكنه أيضا يحتفل بـ ” يوم الأرض” ويرى في هذا وذاك عيدا، فبأية حال عدت يا عيد!

إغلاق