مقالات

قراءة في كتاب “الحركة الوطنية الفلسطينية: تجربة الجبهة الوطنية المتحدة في قطاع غزة”

Paltel

قراءة في كتاب “الحركة الوطنية الفلسطينية: تجربة الجبهة الوطنية المتحدة في قطاع غزة” للباحث خليل حسونة
الكاتب والباحث/ ناهض زقوت
الجزء الأول:
كتاب تاريخي وثائقي متميز يؤرخ لمرحلة من أشد المراحل التاريخية في عمر القضية الفلسطينية تعقيدا وتشابكا على كافة الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، وهي مرحلة الخمسينات والسينات، تلك المرحلة التي واجه فيها الشعب الفلسطيني أشد المؤامرات على هويته الوطنية ومستقبله السياسي، كانت بدايتها نكبة 1948 وصولا إلى نكسة 1967، وما بينهما من سنوات جرت في نهر الشعب والقضية دماء كثيرة، ونضالات عديدة، وثمن الحرية من اعتقالات وتعذيب. ورغم ذلك كانت ملامح النضال تتجسد في رجال تمترسوا خلف قضيتهم ودافعوا عنها بكل السبل والطرق، ورسخوا عناوين للوحدة الوطنية تركت بصمتها في تاريخ القضية الفلسطينية، وكان أبرزها الجبهة الوطنية عام 1957، والجبهة الوطنية المتحدة عام 1967، والجبهة الوطنية الفلسطينية عام 1972.

يأتي كتاب (الحركة الوطنية الفلسطينية: تجربة الجبهة الوطنية المتحدة – قطاع غزة نموذجا) للدكتور خليل حسونة، الصادر عن دار الكلمة للنشر في غزة 2019، في (250) صفحة من القطع الكبير، ليكشف عن تراكمات السنين وتجارب الأيام الخوالي، حفظتها صدور الرجال الذين كانوا من مؤسسيها أو من المشاركين في عملياتها النضالية، وغيبت من الكتابة والدراسة فلم يكتب عنها إلا شذرات في مقالات أو دراسات تناولت القضية الفلسطينية أو التجارب النضالية الفلسطينية، أما بشكل كتاب مستقل هذا ما قدمه الباحث خليل حسونة في كتابه، يقول في المقدمة: “لكون هذه التجربة رغم قصرها، ولكونها كذلك مغيبة، وكتوثيق لجانب من جوانب الفعل الوطني، آليت على نفسي متابعة هذه التجربة بالتنقيب والدراسة ولقاءات بعض رموزها، ولكوني عايشتها بشكل جزئي، لتصبح وثيقة تضاف إلى النشاط الوطني الفلسطيني المعاصر”.

هي بحق هذه الدراسة وثيقة تحمل أسماء المناضلين الذين شاركوا في الوطني في الخمسينيات والسينيات، وعانوا من السجن والسجان، ودفع بعضهم الدم ثمن حرية شعبهم، وهذه الدراسة تعتبر بمثابة جزء أول، كما يقول الباحث، من تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي الأجزاء اللاحقة سيتناول تجربة حركة فتح، ثم التجربة الفصائلية، ويلي ذلك تجربة الحركة الإسلامية.

الكاتب والباحث خليل إبراهيم حسونة من مواليد فلسطين عام 1948، وتعود جذوره إلى قرية حمامة المحتلة عام 1948. تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس وكالة الغوث للاجئين في مخيم الشاطئ. شارك في العمل الوطني منذ اللحظة الأولى للاحتلال عام 1967م، حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية، عمل مدرسا في الجماهيرية الليبية. وعاد إلى قطاع غزة بعد قيام السلطة الوطنية، وعمل مديرا في وزارة الإعلام الفلسطينية حتى تقاعده. عضو الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين – فرع ليبيا، وعضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين. كتب في العديد من الصحف الفلسطينية والعربية. نشر ما يزيد عن ثمانين كتابا في: القصيدة الشعرية، والقصة القصيرة، والرواية، والمسرحية، والدراسات النقدية الأدبية والتراثية والفكرية والسياسية. ونشر نتاجه الأدبي والإبداعي والسياسي في الصحف والمجلات العربية والمحلية. يعيش حاليا في النرويج مغتربا.

يتوزع الكتاب على أربعة أبواب، كل باب يضم عدة مباحث مرتبطة بعنوان الباب، فجاء الباب الأول متحدثا عن الفروقات بين الحرب وحرب الشعب، مستعرضا مفهوم حرب الشعب ولمحة عن الحروب، وجذور الحرب الشعبية، وركائز الحرب الشعبية. وفي الباب الثاني يتناول تجارب الشعوب المناضلة من أجل الحرية والاستقلال، فيسرد تجارب الجبهات المتحدة في بلغاريا وهنغاريا ولاوس، وتجربة الاتحاد السوفيتي، وتجارب شعوب الصين، وكوريا، والهند الصينية، وفيتنام، وكمبوديا، وقبرص، وكوبا، ونيكاراجوا. أما الباب الثالث يتناول الوجه التقدمي للكفاح الفلسطيني منذ ما قبل البدايات إلى البدايات الأولى، وتأثيرات الوضع الاقتصادي، والمراحل النضالية لعصبة التحرر الوطني الفلسطيني في مرحلتها الأولى من 1948 إلى 1953، وفي مرحلتها الثانية من أواخر 1957 حتى حزيران 1967، وتحول عصبة التحرر الوطني إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، وتشكيل الجبهة الوطنية في قطاع غزة بين عامي 1956- 1957. وفي الباب الرابع يستعرض دور السياسة الإسرائيلية في قطاع غزة بعد العام 1967، وتجدد قيام الجبهة الوطنية المتحدة، ويرسم ملامح السياسة الإسرائيلية التي تمثلت في السياسة الأمنية، وسياسة الاستيطان والتهجير، والسياسة الاقتصادية، ثم يعود للحديث عن خبرة الحركة الوطنية، ومشروع التسوية الإسرائيلية وإنضاج البدائل، وصدمة الاحتلال وقرار المقاومة، والعمل السياسي والعمل المسلح، من خلال تنظيم العلاقة بين الطليعة والجماهير والقيادات المحلية، والتنسيق مع الضفة الغربية، والعلاقات مع الخارج، والكفاح المسلح من خلال الممارسة الفعلية، ومن خلال صحف المقاومة، وتجربة الصحافة السرية.

الكتاب غني بالمعلومات وبالأحداث والوقائع، ولا يمكن أن نقدمها في سطور قليلة، إنما تحتاج من القارئ إلى قراءة الكتاب للاطلاع على هذه المرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية، لذلك سوف نتناول التجربتين بالتوسع في الحديث عنهما.

تعد تجربة الجبهة الوطنية ولاحقا الجبهة الوطنية المتحدة تجربة فريدة وذات دلالات عميقة في مسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني، ورغم عمرها القصير إلا أنها شكلت نموذجا للوحدة النضالية على مستوى الأراضي المحتلة، ومثلت الوجه التقدمي للكفاح الوطني الفلسطيني. إذ على اثر نكبة 1948 انهارت الكيانات السياسية في فلسطين ما عدا عصبة التحرر الوطني التي تأسست منذ عام 1943، والتي حملت على عاتقها النضال ضد المؤامرة التي تعرضت لها فلسطين. فانتقل معظم قادتها إلى قطاع غزة، وبعضهم ذهب إلى الضفة الغربية، وفي فترة الخمسينيات تشكل الحزب الشيوعي الأردني الذي جمع قيادات فلسطينية وأردنية، وذلك بعد ضم الضفة الغربية عام 1951، وفي قطاع غزة تبلور الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1953 ليشكل استمرارا تاريخيا لعصبة التحرر الوطني، فاغلب قيادات العصبة هم الذين شكلوا الحزب في قطاع غزة.

يتحدث الباحث عن موقف عصبة التحرر الوطني من رفض قرار ضم الضفة الغربية، ودعوتها إلى إسقاط مؤامرة الضم، والعمل على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، كما يتحدث عن رفضها لتشكيل حكومة عموم فلسطين واعتبارها مهزلة وهاجمت الحاج أمين الحسيني، ويتناول دورها في كشف المؤامرات التي كانت تتعرض لها القضية الفلسطينية، وقادت العصبة في فترة الخمسينيات شعلة الكفاح والنضال الوطني، وعقدت المؤتمرات ونظمت المظاهرات، وخاضت الكفاح المسلح. وكانت ابرز مطالبها تطبيق قرارات هيئة الأمم المتحدة وبخاصة قرار التقسيم، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وسحب جميع القوات الصهيونية والعربية من أراضي الدولة الفلسطينية، وعودة اللاجئين إلى ديارهم وأملاكهم طبقا للقرار 194 وتعويضهم.

لقد أثار نشاط العصبة في قطاع غزة حفيظة الإدارة المصرية التي ألقت القبض في أواخر عام 1948 على عدد من أعضاء العصبة ومن بينهم سكرتيرها العام فخري مكي، وتم اعتقالهم في معسكر للجيش المصري ومطاردة آخرين، مما دعا العصبة للعمل سرا، فاختفى أبرز قادتها في القطاع، واستمروا يناضلون في ظروف أشد ما تكون إرهابا وقهرا. وتواصل الصراع بين الإدارة المصرية وعصبة التحرر، واشتدت حملات الاعتقال التي طالت أكثر من خمسين عضوا من أعضائها ومناصريها، الذين تم نقلهم إلى معتقل القنطرة لمدة عامين، وأفرج عنهم في أواخر 1951. وكلما زاد نشاط العصبة، اشتد القمع نحوهم ففي تموز 1952 شنت السلطة العسكرية المصرية حملت اعتقالات جديدة طالت نحو مائة عضو من أعضائها وأصدقائها، وقدموا للمحاكمة وحكموا بالأشغال الشاقة، ونقلوا إلى سجن مصر العمومي.
يتبع الجزء الثاني

إغلاق